فصل: تفسير الآيات (8- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.سورة الأعراف:

مكية كلها قاله الضحاك وغيره.
وقال مقاتل: هي مكية إلا قوله سبحانه: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} إلى قوله: {من ظهورهم ذرياتهم} فإن هذه الآيات مدنية.

.تفسير الآيات (1- 3):

{المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)}
قوله جَلَّتْ عظمتُهُ: {المص كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ: الضيقُ ومنه: الحَرِجَةُ؛ الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكلَ ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في {منه} عائد على الكتاب، أي: بسبب من أسبابه.
وقوله سبحانه: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس: إن فيه تَقْدِيماً وتأخيراً.
وقوله: {وذكرى} معناه تَذْكرة وإِرشاد.
وقوله سبحانه: {اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ} أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ}، أي: من دون ربَكُمُ {أَوْلِيَاءَ} يريد: كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه، {وقليلاً}: نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر.
وقال مكي: هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و{ما} في قوله: {مَّا تَذَكَّرُونَ} مصدرية.

.تفسير الآيات (4- 5):

{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)}
وقوله سبحانه: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية.
وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم في العُقُوبَةِ، والفاء في قوله سُبْحَانَهُ: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} لترتيب القَوْلِ فقط.
وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ و{بياتا}، نصب على المصدر في مَوْضِعٍ الحال، و{قَائِلُونَ} من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ والسكون؛ لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ؛ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ.
قال أبو حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نَهَارَاً انتهى.
وقوله عز وجل: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين} هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين:
أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ} [الأنبياء: 15].
والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار، والاعتراف، أي: هذا كان بَدَلَ الدعاء، والادعاء، واعترافهم.
وقولهم: {إِنَّا كُنَّا ظالمين} هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها.
وروى ابن مَسْعُودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم».

.تفسير الآيات (6- 7):

{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)}
وقوله سبحانه: {فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين...} الآية وعيد مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علماً بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ وَالمُؤْمِنون، فيعقبهم جوابهم رَحْمَةً وكرامة، وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً.
* ت *: وروى أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب فَضْلِ العلمِ بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال: بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ انتهى.
وخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها». وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ. وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ» انتهى.
وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ فيما بقي من عَمَلِهِ، وإِن لم تُقْبَلْ منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله.
وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ» قال: «يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ؟ فإن كان له تَطَوَّع قال: أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك». انتهى.
واللفظ لأبي داود.
وقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من التذكر.
وقوله سبحانه: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} أي: فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، {بِعِلْمٍ} أي: بحقيقة ويقين {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ}.

.تفسير الآيات (8- 10):

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)}
وقوله عز وجل: {والوزن يَوْمَئِذٍ الحق} التقدير: والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة.
قال جمهور الأُمَّةِ: إنَّ اللَّه عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ المَوَازِين؛ إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها.
قال الفخر: والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزنات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل. انتهى. قال أبو حَيَّان: موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ، وهذا على مذهب الجمهور؛ في أن الميزَانَ واحد.
وقال الحسن: لكل واحدِ ميزَانٌ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى.
والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي.
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ مكناكم فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش} الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، {وقَلِيلاً} نصب ب {تَشْكُرُونَ} ويحتمل أن تكون {مَّا} مع الفعل بتأوليل المَصْدَرُ، و{قَلِيلاً} نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره: شكراً قليلاً شكركم، أو شكراً قليلاً تشكرون.

.تفسير الآيات (11- 18):

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)}
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم...} الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.
واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية؛ لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: {وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم} آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.
وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون {ثم} على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.
وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما {خلقناكم} فآدم، وأما {صورناكم} فذرّيته في بُطُونِ الأمهات.
وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير، {وثُمَّ} لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.
وقوله سبحانه: {فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين * قَالَ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم} تقدم الكلام على قَصَصِ الآية في سورة البقرة.
وما في قوله: {مَا مَنَعَكَ} استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، ولا في قوله: {أَلاَّ تَسْجُدَ} قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان: إنها زائدة، كهي في قوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب} [الحديد: 29].
قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} [ص: 75] في صا انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن لما جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.
وقال الطبري: ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس. وإنما خُرِّجَ كلامهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخَوَارِجِ وغيرهم، فأراد حمل الناس على الجَادَّةِ.
وقوله سبحانه: {فاهبط مِنْهَا} الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء، لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله: {إِنَّكَ مِنَ الصاغرين} حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.
ومعنى: {أَنظِرْنِي} أخِّرْنِي فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله أكثر الناس وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.
وقوله: {فَبِمَا} يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: {فَبِعِزَّتِكَ} [ص: 82] و{أَغْوَيْتَنِي} قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل.
وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك} المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.
ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة...» الحديث.
وقوله سبحانه: {ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين * قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أجْمَعِينَ} مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.
قال الفخر: وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم} أي: على صِرَاطِكَ. أجمع النحاة على تقدير على في هذا الموضع. انتهى.
وقوله: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين} أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.
قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل.
ومنه قوله سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين} [سبأ: 20] فجعل أكثر العَالَم كَفَرَةً، ويُبَيِّنُهُ قوله صلى الله عليه وسلم في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ»
ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأَسْوَدِ»
و{شاكرين} معناه: مُؤْمنين؛ لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن. قاله ابن عباس وغيره.
وقوله سبحانه: {اخرج مِنْهَا} أي: من الجنة {مَذْءُوماً} أي مَعِيباً {مَّدْحُوراً}؛ أي مقصيًّا مبعداً.
{لَّمَن تَبِعَكَ} بفتح اللام هي لام قَسَم.
وقال أبو حيان: الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ، ومن شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، ومن موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو {لأملأن} في موضع خبرها. انتهى.
وقال الفَخْر: وقيل: {مَذْءُوماً}، أي: محقوراً؛ فالمَذْؤومُ المحتقر. قاله الليث.
وقال ابن الأنباري: المَذْؤُومُ المذموم.
وقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ. انتهى.
وباقي الآية بَيِّنٌ. اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشَمَاتَة الأعداء.